حبيب الله الهاشمي الخوئي

227

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عنه عليه السّلام ولم يكن في هذا الزمان علم مدوّن ولا استفادة للمسلمين إلَّا من القرآن الكريم ، فلم يكن إذا جلاء للقلب غيره . وجه الأولويّة أنّ الأحاديث النبويّة كانت موجودة بأيديهم يومئذ والاستفادة منها كانت ممكنة لمن أرادها ، وأما غير المريد لها من الَّذين على قلوبهم أقفالها فالقرآن والحديث بالنسبة إليهم أيضا على حدّ سواء كما لا يخفى . ( مع أنه قد ذهب المتذكَّرون ) بالقرآن المتدبّرون في معانيه المستضيئون بضيائه المقتبسون من أنواره ( وبقى الناسون ) له حقيقة ( أو المتناسون ) المظهرون للنسيان لأغراض دنيويّة . وارتباط هذا الكلام أعنى قوله : مع أنه آه بما سبق أنه لما ذكر ممادح القرآن وأنه أبلغ المواعظ وأجلى للقلوب ، وكان الغرض منه حثّ المخاطبين وتحريصهم على اتّباعه والتذكَّر به أتبعه بذلك أسفا على الماضين وتقريعا على الباقين بأنّهم لا يتذكَّرون به ولا يتّبعونه ولا يتّعظون بمواعظه . ومحصّله إظهار اليأس من قبولهم للموعظة واستبعاد ذلك لما تفرّس منهم من فساد النيات ومتابعة الهوى والشهوات . ويحتمل أن يكون توطئة وتمهيدا لما كان يريده من أمرهم بإعانة الخير وتجنّب الشرّ ، يعني مع أنّ المتذكَّرين وأولى البصاير قد مضوا ولم يبق إلَّا الغافلون الجاهلون وتأثير الموعظة فيهم صعب جدا ، مع ذلك أعظكم واذكَّركم وإن لم تنفع الذكرى بقولي ( فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه وإذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه ) لفظ الخير والشرّ وإن كان مطلقا شاملا باطلاقه لكلّ خير وشرّ ، إلَّا أنّ الأشبه أن يكون نظره فيهما إلى الخير والشرّ المخصوصين . بأن يكون مراده من الخير الخير الَّذي كان يريده في حقّهم وإن كان مكروها وكانوا لهم متنفرّين عنه بطبعهم من التسوية في العطاء والحمل على جادّة الوسطى ومرّ الحقّ ، ويكون المراد باعانتهم عليه تسليمهم له في كلّ ما يأمر وينهى ورضاهم